الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

220

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

النوع الثالث في سيرته صلى اللّه عليه وسلم في نكاحه قد كان - صلى اللّه عليه وسلم - يأخذ من الجماع بالأكمل ، مما تحفظ به الصحة ، وتتم به اللذة وسرور النفس ، وتحصل به مقاصده التي وضع لأجلها . فإن الجماع في الأصل وضع لثلاثة أشياء ، هي مقاصده الأصلية : أحدها : حفظ النفس ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدة التي قدر اللّه تعالى بروزها إلى هذا العالم . الثاني : إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن . الثالث : قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة ، وهذه هي الفائدة التي في الجنة ، إذ لا تناسل هناك ، ولا احتقان يستفرغه الإنزال ، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أسباب حفظ الصحة . لكن لا ينبغي إخراج المنى إلا في طلب النسل ، وإخراج ما احتقن منه ، فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة ، منها الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك ، وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا ، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة . قال محمد بن زكريا : من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعضائه وانسدت مجاريها ، وتقلص ذكره ، وقد رأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب ، وقلت شهواتهم وهضمهم . أشار إليه في زاد المعاد . ومن منافعه : غض البصر ، وكف النفس ، والقدرة على العفة عن الحرام ، وتحصيل ذلك للمرأة ، فهو ينفع نفسه في دنياه وآخرته ، وينفع المرأة ، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة ، والتمادح به سيرة ماضية ، ولذلك كان - صلى اللّه عليه وسلم - يتعاهده ويقول كما في حديث أنس عند الطبراني في الأوسط ،